الشيخ محمد حسين الحائري
368
الفصول الغروية في الأصول الفقهية
مما لا يتحقق في الغاية الزمانية وإن شئت توضيح ذلك فلاحظ قول القائل أكرم زيدا إلى يوم الخميس وقوله أكرم زيدا إلى أن يفسق فإنك تجد أن المفهوم من الثاني كون الفسق مانعا من وجوب الاكرام وأنه لولاه لدام واستمر بخلاف الأول فإنه لا يفهم منه أن حضور يوم الخميس مانع من استمرار الحكم وأنه لولاه لاستمر ولعل السر في ذلك أنه لا يعقل الاستمرار في الزمان بدونه بخلاف الغاية الغير الزمانية فإنه مما يمكن أن يعتبر في المغيا بها الاستمرار لولا تحققها وكذا الكلام في تعيين وقت الموقت كغسل الجمعة حيث اختلفوا في امتداده إلى الزوال أو إلى الغروب وكنوافل الظهرين حيث اختلفوا في امتدادها إلى الاقدام أو إلى آخر وقت الفضيلة أو إلى الأجزاء فلا يصح التمسك لما عدا القول الأول بالاستصحاب وإن أمكن التمسك في ذلك بإطلاق الأوامر المجردة عن التقييد بغاية لكنه ليس من باب الاستصحاب وكذا لو كان العمل وشبهه مغيا بغاية زمانية وشك في تعيين مفهومها كالغروب إذا شك في كونه سقوط القرص أو ذهاب الحمرة نعم لو شك في تعيين مصداقها كما لو شك في حصول أحد الامرين صح التمسك بالاستصحاب ويتبعه الحكم كما مر وبأخرى بالاجماع وذلك حيث ينعقد على استمرار شئ وبقائه على تقدير وجوده إلى أن يرفعه رافع كوجوب التقليد على العامي فإنهم أجمعوا على أن وظيفته الرجوع إلى المجتهد وأن ذلك مستدام في حقه ما لم يتمكن من الاستنباط المعتبر شرعا ثم اختلفوا في تعيينه فقيل هو الاجتهاد المطلق وقيل بل مطلق الاجتهاد فيصح أن يتمسك للأول بالاستصحاب وأيضا الاجتهاد المعتبر أمر وجودي فيستصحب عدمه السابق لثبوت مقتضاه مع الشك في تحقق الرافع له وهو مقتضى الوجود وكذلك الحال في الفتوى فإنهم أجمعوا على حجيتها وجواز التعويل عليها إذا استجمعت الشرائط وأنها مستدامة على ذلك ما لم يمنع منه مانع ثم اختلفوا في أن زوال تذكر المفتي للدليل أو موته هل يمنع من ذلك أو لا فيصح التمسك للثاني بالاستصحاب وأما إذا قام الاجماع على ثبوت حكم في الجملة ولم يقم دليل على بقائه إلى أن يرفعه رافع ثم شك في استمراره وعدمه لم يتجه فيه التمسك بالاستصحاب كحق الشفعة حيث اجتمعوا على ثبوته في الجملة واختلفوا في فوريته وعدم فوريته فلا يتجه التمسك للثاني بالاستصحاب وإن استدل به بعضهم ومثله خيار عوز المبيع في السلم ونحوه وقس على ذلك الحال في نظائرها هذا واعلم أن المحقق قال في أصوله إذا ثبت حكم في وقت ثم جاء وقت آخر ولم يقم دليل على انتفاء ذلك الحكم هل يحكم ببقائه على ما كان أم يفتقر الحكم في الوقت الثاني إلى دلالة حكي عن المفيد أنه يحكم ببقائه ما لم يقم دلالة على نفيه وهو المختار وقال المرتضى لا يحكم بأحد الامرين إلا لدلالة مثال ذلك التيمم إذا دخل في الصلاة فقد أجمعوا على المضي فيها فإذا رأى الماء في أثناء الصلاة فهل يستمر فعلها استصحابا للحال الأول أو يستأنف الصلاة بوضوء فمن قال بالاستصحاب قال بالأول ومن أطرحه قال بالثاني ثم احتج على ما اختاره بوجوه وذكر حجة المانعين وأجاب عنها ثم قال والذي نختاره أن ننظر في الدليل المقتضي لذلك الحكم فإن كان يقتضيه مطلقا وجب القضاء باستمرار الحكم كعقد النكاح فإنه يوجب حمل الوطي مطلقا فإذا وقع الخلاف في الألفاظ التي يقع بها الطلاق كقوله أنت خلية وبرية فإن المستدل على أن الطلاق لا يقع بهما لو قال حل الوطي ثابت قبل النطق بهذه فيجب أن يكون ثابتا بعده لكان استدلالا صحيحا لان المقتضي للتحليل وهو العقد اقتضاه مطلقا ولا يعلم أن الألفاظ المذكورة رافعة لذلك الاقتضاء فيكون الحكم ثابتا عملا بالمقتضي ثم قال لا يقال المقتضي هو العقد ولم يثبت أنه باق فلم يثبت الحكم لأنا نقول وقوع العقد اقتضى حل الوطي لا مقيدا بوقت فلزم دوام الحل نظرا إلى وقوع المقتضي لا إلى دوامه فيجب أن يثبت الحل حتى يثبت الرافع ثم قال فإن كان الخصم يعني بالاستصحاب ما أشرنا إليه فليس ذلك عملا بغير دليل وإن كان يعني أمرا وراء ذلك فنحن مضربون عنه انتهى أقول يستفاد من كلامه أخيرا الفرق بين الحكم الشرعي المترتب على أمر جعله الشارع مقتضيا لذلك الحكم على وجه الاستمرار ما لم يمنع منه مانع وبين غيره وأن الاستصحاب يعتبر في الأول دون الثاني فيمكن تنزيل ما اختاره أولا من الحكم بالبقاء على ذلك فيكون كلامه أخيرا بيانا لما أجمله أولا لا عدولا عنه فقوله في بيان القسم الأول وإن كان يقتضيه مطلقا معناه إن كان يقتضيه غير مقيد بوقت بقرينة قوله أخيرا وقوع العقد اقتضى حل الوطي لا مقيدا ومنه يظهر ضعف ما زعمه بعض الأفاضل في كلامه من أن مراده بالاطلاق أن لا يكون الحكم مختصا بالحال الأول مع أن هذا المعنى فاسد في نفسه كما سنشير إليه وكذا يظهر منه ضعف ما زعمه صاحب المعالم في قوله والذي نختاره إلى آخره من أنه رجوع عما اختاره أولا ومصير إلى القول الآخر يعني قول المرتضى رحمه الله وذلك لان المرتضى رحمه الله صرح في طي احتجاجه بما حاصله أنه لا بد من اعتبار الدليل الدال على ثبوت الحكم في الحالة الأولى فإن دل على ثبوته في الحالتين حكم به وإلا فلا فاعتبر في إبقاء الحكم في الحالة الثانية دلالة الدليل على ثبوته فيها ويلزمه على هذا أن لا يحكم ببقاء النكاح بعد قول القائل أنت خلية وبرية إلا إذا دل الدليل على ثبوته بعد ذلك وقد عرفت أن المحقق لا يعتبر دلالة الدليل على ثبوت الحكم بعد ذلك بل يكتفي بدلالة الدليل على كون العقد مقتضيا لدوام الزوجية ما لم يمنع منه مانع مع عدم العلم بمانعية تلك الألفاظ فالفرق بين القولين